جهاز النطق وأعضاؤه

 

جهازالنطق

جهاز النطق هو الإنسان نفسه، بكل أعضائه وأجهزته العضوية والبيولوجية والنفسية أيضًًا، ذلك أن هذه الأعضاء والأجهزة كلها لها دخل في عملية إصدار الكلام، وإن بصور مختلفة، بحسب العضو أو الجهاز المعين.

وقد سئل هِنْدي مرة: "من أين تتكلم؟ فقال: من بطني" وذلك أمر مفهوم من وجهة نظر الرجل العادي؛ لأن الإنسان عندما يتكلم، ويصدر أصواته، يصيب هذا العضو نوع حركة من الحركة الخفيفة التي ربما يغيب الإحساس بها عند بعض الناس.

واللغويون أنفسهم يعرفون ذلك ويدركونه تمامًا، ولكنهم بحكم تخصصهم لا يستطيعون الدخول إلى هذا الجانب الواسع المعقد، ويكتفون بالنظر لهذا الجزء المعين والمحدد من الرئتين حتى نهاية الرأس، لما ينتظمه من أعضاء لها دخل مباشر في عملية إصدار الأصوات، كالأنف والفم بكل أعضائه.

ومن هذا التحديد ننطلق لرصد هذه الأعضاء، ووظائفها النطقية، ونشير -في إيجاز- إلى الدور الذي يقوم به كل عضو في إصدار الأصوات اللغوية.

ويجدر بنا قبل الدخول في الكشف عن ذلك كله أن نشير إلى أربع نقاط مهمة:

الأولى: التسمية، "أعضاء النطق" وهي تسمية مجازية، إن أعضاء النطق ليست وظيفتها الوحيدة إصدار الأصوات الكلامية؛ لأن لها وظائف أخرى أهم من ذلك بكثير، فاللسان مثلا وظيفته ذوق الطعام وتحريكه، والأسنان من وظائفها قضم الطعام وطحنه، والشم للأنف، والتنفس له وللرئتين وهكذا، فإصدار الأصوات إن هو إلا وظيفة واحدة من الوظائف الكثيرة التي تقوم بها هذه الأعضاء.

الثانية: ينتظم جهاز النطق أعضاء عدة، ولكنها متكاملة، تتفاعل في إصدار الصوت بدرجة عالية من الدقة والانضباط، فصوت الباء شفوي، لا يعني: أن الشفاه وحدها هي المشكّلة لهذا الصوت لخواصه، وسماته المعهودة، فهناك عند إصداره يقف الهواء بانطباق الشفتين، ثم يخرج منفجرًا بسرعة، ويتذبذب الوتران الصوتيان بطريقة مخصوصة، وبذا يتم تشكيل هذا الصوت المنبئ عنه وصفه بأنه وقفة انفجارية شفوية مجهور، أو صوت صامت انفجاري شفوي مجهور غير مطبق.

الثالثة: ليست أعضاء النطق جميعها قابلة للحركة، فمعظمها ثابت لا يتحرك، وقليل منها قابل للحركة كاللسان والشفتين.

الرابعة: جهاز النطق بأعضائه، وبنيته الأساسية واحد عند الإنسان السوي، لا يختلف من فرد إلى فرد، ولا من قوم إلى قوم إلا في تفعيله، وطرائق توظيفه، وفقًا للعادة والبيئة اللغوية المعينة.

أعضاء جهاز النطق

وفيما يأتي توضيح ووصف لكل عضو من أعضاء هذا الجهاز، وتعريف بها موجز ينبئ عن دور كل منها في عملية النطق:

1- الشفاه.

2- الأسنان.

3- أصول الأسنان، ومقدم الحنك.

4- الحنك الصلب، وسط الحنك.

5- الحنك اللين، أقصى الحنك.

6- اللهاة.

7- طرف اللسان.

8- مقدم اللسان، وسط اللسان، مؤخر اللسان.

9- الحلق.

10- لسان المزمار.

11- موقع الأوتار الصوتية، أو موقع الوترين الصوتيين.

12- ذلق اللسان أو نهايته.

13- منطقة الحنجرة من الأمام، ثم القصبة الهوائية.

أما الحنجرة: فتقع في أسفل الفراغ الحلقي، وتكون الجزء الأعلى من القصبة الهوائية، وهي الممر المؤدي إلى الرئتين، وهي أشبه بحجرة ذات اتساع معين، ومكونة من عدد من الغضاريف، أحدها -وهو الجزء العلوي منها- ناقص الاستدارة من الخلف، وعريض بارز من الأمام، ويعرف الجزء الأمامي منه بتفاحة آدم.

ويقع فوق الحنجرة شيء أشبه باللسان يسمى: لسان المزمار أو الغلصمة، ووظيفة هذا اللسان حماية الحنجرة، وطريق التنفس كله في أثناء عملية بلع الطعام، ويبدو على كل حال أنه لا دخل للسان المزمار، في تكوين الأصوات بصورة مباشرة.

أما الوتران الصوتيان: وهما أشبه بشفتين يمتدان أفقيًّا بالحنجرة من الخلف إلى الإمام، ويلتقيان عندئذ -أي عند ذلك البروز المسمى تفاحة آدم- ويسمى الفراغ بين الوترين الصوتيين بالمزمار، وقد ينفرج الوتران أو ينقبضان حتى يلمس أحدهما الآخر فيغلق، أو يغلق ممر الهواء نهائيًّا، أي عند هذا اللمس، وقد يقترب أحدهما من الآخر لدرجة تسمح بمرور الهواء، ولكن بشدة وعسر، ومن ثم يتذبذبان ويصدران نغمة موسيقية.

ومعنى ذلك: أن للوترين الصوتيين قدرة على الحركة وعلى اتخاذ أوضاع مختلفة تؤثر في الأصوات أو في طريقة نطق الصوت، وأهم هذه الأوضاع أربعة:

الأول: وهو الوضع الخاص بالتنفس، وفيه ينفرج الوتران الصوتيان انفراجًا ملحوظًا، بحيث يسمحان للنفس أن يمر من خلالهما دون أن يقابله أي اعتراض أو مانع، ويحدث في هذه الحالة ما يسمى في الاصطلاح الصوتي "بالهمس" مقابل "الجهر" وتسمى الأصوات التي تنطلق حينئذ "الأصوات المهموسة"

الثاني: فهو وضع الوترين الصوتيين في حالة تكوين نغمة موسيقية، وفيه ينطبق الوتران انطباقًا جزئيًّا، بحيث يسمح للهواء المندفع من خلالهما أن يفتحهما ويغلقهما بسرعة، ومن ثم ينتج ما يعرف بذبذبة الوترين الصوتيين، وهي ذبذبة تحدث نغمة موسيقية تختلف في الدرجة والشدة، وتعرف هذه النغمة "بالأصوات المجهورة" أي: الأصوات التي يحدث عند النطق بها اهتزاز للوترين الصوتيين أو ذبذبة للوترين الصوتيين وأزيز، كما هو الحال عند النطق "بالزاي"، وتستطيع أن تتلمس ذلك إذا ما وضعت إصبعيك على المنطقة المعروفة بتفاحة آدم ونطقت صوت الزاي "ززز" فعندئذ ستلاحظ  أزيزا يحدث ذبذبة لهما.

الثالث: فهو وضعهما في حالة الوشوشة، ويكون الوتران في وضع يقرب من وضعهما حالة الجهر، ولكن مع فارق مهم هو: تصلبهما وتجمدهما بحيث تمتنع حدوث أية ذبذبة.

الرابع: فهو وضعهما في حالة تكوين الهمزة، وفيه ينطبق الوتران الصوتيان انطباق تام في فترة زمنية قصيرة، بحيث لا يسمحان بمرور الهواء من أو إلى الرئتين، إلى أن يحدث ذلك الانفراج المفاجئ الذي يعقبه أو يصحبه صوت انفجاري نتيجة لاندفاع الهواء، هذا الصوت هو ما يعرف "بهمزة القطع".

ومن بين أعضاء النطق "الحلق" وهو الجزء الواقع بين الحنجرة والفم، ومنه تخرج مجموعة من الأصوات التي تنسب إليه، فتعرف بأصوات الحلق وهي: الهمزة، والعين، والحاء، والهاء، والغين، والخاء، على اختلاف في المدارج في هذا الحلق.

وأما اللسان: وهو أهم أعضاء النطق، ولأهميته سميت اللغات به، فيقال في العربية: اللسان العربي، أو لسان العرب، ويقصدون بذلك اللغة العربية، وكذلك الحال مثلا في اللغة الإنجليزية، حيث تطلق الكلمة "Tongue" لسان ويقصدون اللغة، وهو عضو مرن قابل للحركة إلى حد كبير، يستطيع أن يتخذ أوضاعًا مختلفة، وأشكالا متعددة؛ ولذلك يقسمه علماء الأصوات عادة إلى أقسام وهي :

أقصى اللسان: أو مؤخره وهو الجزء المقابل للحنك اللين أو ما يسمى بأقصى الحنك.

وسط اللسان: أو مقدم اللسان، وهو الجزء الذي يقابل الحنك الصلب، أو ما يسمى بوسط الحنك.

طرف اللسان: وهو الجزء الذي يقابل اللثة، وهناك أجزاء أخرى للسان هي نهايته أو ذلقه، ولكن هذا الجزء في الواقع يعد داخلا فيما يسمى بطرف اللسان، وهناك جزء آخر يسمى: أصل اللسان، إذ معنى ذلك: أن هناك ثلاثة أجزاء هي: أقصى اللسان، ووسط اللسان، وطرف اللسان، ثم الأجزاء الأخرى المتصلة بهذه الأجزاء الثلاثة نهاية اللسان أو ذلقه ويتصل بالجزء المعروف بطرف اللسان، ثم هناك الجزء الآخر الذي يسمى أصل اللسان.

أما "الحنك": ويشار إليه أحيانًا بالأسماء الآتية: الحنك الأعلى، أو سقف الحنك، أو سقف الفم، وهذا العضو يتصل به اللسان في أوضاع مختلفة، ومع كل وضع من هذه الأوضاع تخرج أصوات مختلفة، لذلك يقسم الحنك عادة إلى ثلاثة أجزاء :

مقدم الحنك: أو اللثة، بما في ذلك أصول الأسنان العليا.

وسط الحنك: أو الحنك الصلب، ويسميه بعضهم "بالغار".

أقصى الحنك: أو الحنك اللين ويسميه بعضهم "بالطبق" .

ويمكن أن يدرك الفرق بين صلابة الجزء الصلب وليونة الجزء اللين، بالنظر في مرآة أو باللمس باللسان أو الإصبع، والحنك الصلب ثابت لا يتحرك، أما الحنك اللين فهو قابل للحركة، فقد يرفع الحنك اللين، وقد يخفض فإذا رفع إلى أقصى ما يمكن فإنه يمس الجدار الخلفي للفراغ الحلقي، ومن ثم يمنع مرور الهواء الخارجي من الرئتين عن طريق الأنف، وكثير من أصوات اللغة العربية يتكون عندما يتخذ الحنك اللين هذا الوضع، مثل أصوات: الباء، والتاء، والسين، والصاد، وغيرها.

أما إذا خفض الحنك اللين فإن الطريق أمام الهواء الخارج من الرئتين يكون مفتوحًا، لكي ينفذ من الأنف، ولا يتم نطق النون والميم العربيتين إلا عندما يتخذ الحنك اللين هذا الوضع.

أما "اللهاة": فهي نهاية الحنك اللين، له دخل، ويخرج منها القاف والكاف.

أما التجويف الأنفي: فهو تجويف يندفع الهواء من خلاله عندما ينخفض الحنك اللين فيفتح الطريق أمام الهواء الخارج من الرئتين ليمر من طريق الأنف، وهذه هي الحال عند النطق بالنون والميم العربيتين.

 

الشفتان: من أعضاء النطق المهمة، وهي من الأعضاء المتحركة، وتتخذ أوضاعًا مختلفة حال النطق، ويؤثر ذلك في نوع الأصوات وصفاتها، ويظهر هذا التأثير بوجه خاص في نطق الأصوات المسماة بالحركات، وقد تنطبق الشفتان انطباقًا تامًا، كما عند نطق الباء، وقد تنفرجان كما في حركة الكسرة مثلا.  

الأسنان: فالأسنان من أعضاء النطق الثابتة، أي: غير المتحركة، وتنقسم إلى قسمين: أسنان عليا وأسنان سفلى، وللأسنان وظائف مهمة في عدد من الأصوات اللغوية، فقد يعتمد عليها اللسان مثلًا كما في نطق الدال والتاء عند بعض الناس، كما تقع الأسنان العليا فوق الشفة السفلى حال النطق بالفاء.

وبذلك يتضح أن هذه الأعضاء التي يبلغ عددها كما مر خمسة عشر عضوًًا: الشفاه، والأسنان، وأصول الأسنان، والحنك الصلب، والحنك اللين، واللهاة، وطرف اللسان، ومقدم اللسان، ومؤخر اللسان، والحلق، ولسان المزمار، وموقع الوترين الصوتيين، وذلق اللسان، ومنطقة الحنجرة من الأمام، والقصبة الهوائية، هذه الأعضاء تتعاون جميعًا لإنتاج وإصدار الأصوات اللغوية المختلفة، ولكل عضو وظيفته الأساسية في إنتاج صوت ما دون صوت آخر، وبعض الأعضاء تشترك في نطق كثير من الأصوات.

وللعرب في القديم معرفة بجهاز النطق وأعضائه وآليات تفعيله، نعم إنهم لم يقفوا عند كل عضو وقفة خاصة، بتعريفه أو تحديد علاقته بغيره من الأعضاء، كما يجري عليه العمل عند المحدثين الآن عربًًا أو غير عرب، ولكنهم مع ذلك لم ينفكوا عن الإشارة إلى هذه الأعضاء في جملتها مرة ومرات عند تناولهم لأصوات لغتهم ونعتها بنعوت منسوبة إلى هذا العضو أو ذاك.

ولم يقف اهتمامهم بأعضاء النطق بمجرد الإشارة إليها عند وصفهم للأصوات. بل إن واحدًا منهم وهو "السكاكي" هداه فكره وقادته لماحيته إلى وضع رسم لجهاز النطق في مجمله بصورة متواضعة، فقد شكل شكلًًا خاصًًا بجهاز النطق، يوضح كيف يمكن أن تخرج الأصوات، وأن تصدر من مناطق مختلفة، فمن الحلق عنده -وهو يقسم الحلق هنا إلى مبدأ ووسط وآخر- ومن مبدأ الحلق وضع الهمزة والألف والهاء، ومن وسط الحلق وضع العين والحاء، ومن أقصى الحلق أو آخر الحلق وضع الغين والخاء، ثم وضع بعد ذلك في اتجاهين متقابلين متوازيين الأضراس اليمنى والشفة العليا، ثم وضع الثنايا العليا، وفي المقابل وضع الأضراس اليسرى والشفة السفلى ثم الثنايا السفلى، وفي داخل هذا الممر في شكله العام وضع هنا حافة اللسان اليمنى فوق أصل اللسان وطرفه وضع حافة اللسان اليمنى، ثم وضع حافة اللسان اليسرى، وبجانب أصل اللسان وضع ذلك طرفه، ثم وضع الأصوات التي يمكن أن تتميز بهذه المواضع، فعند حافة اللسان اليمنى: اللام، والنون، وعند أصل اللسان وطرفه وضع: الراء، والطاء، والدال، والتاء، وعند وسط اللسان وضع: الجيم، والشين، والياء، وعند اللهاة وضع: القاف، والكاف، وعند حافة اللسان اليسرى وضع: الظاء، والذال، والثاء، وبذلك قد وزع أصوات اللغة العربية على أعضاء النطق المختلفة، ومما يحمد لهذا العالم: أنه استهل كتابه بالدرس الصوتي، فكأنه كما ألمح هو بذلك أن دراسة أصوات اللغة هي المدخل الطبيعي لدراسة اللغة بمستوياتها المختلفة، والله أعلم.

Go to top